القرطبي

3

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

عضال ومرض مزمن ، ومتى تمكن من القلب فسد مزاجه واشتد علاجه ، ولم يفارقه داء ولا نجع فيه دواء ، بل أعيا الأطباء ويئس من برئه الحكماء والعلماء . وحقيقة الامل : الحرص على الدنيا والانكباب عليها ، والحب لها والاعراض عن الآخرة . وروى ( 1 ) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " نجا أول هذه الأمة باليقين والزهد ويهلك آخرها بالبخل والأمل " . ويروى عن أبي الدرداء رضى الله أنه قام على درج مسجد دمشق فقال : يأهل دمشق ، ألا تسمعون من أخ لكم ناصح ؟ إن من كان قبلكم كانوا يجمعون كثيرا ويبنون مشيدا ويأملون بعيدا ، فأصبح جمعهم بورا وبنيانهم قبورا وأملهم غرورا . هذه عاد قد ملأت البلاد أهلا ومالا وخيلا ورجالا ، فمن يشترى منى اليوم تركتهم بدرهمين ! وأنشد : يا ذا المؤمل آمالا وإن بعدت * منه ويزعم أن يحظى بأقصاها أنى تفوز بما ترجوه ويك وما * أصبحت في ثقة من نيل أدناها وقال الحسن : ما أطال عبد الامل إلا أساء العمل . وصدق رضي الله عنه ! فالأمل يكسل عن العمل ويورث التراخي والتواني ، ويعقب التشاغل والتقاعس ، ويخلد إلى الأرض ويميل إلى الهوى . وهذا أمر قد شوهد بالعيان فلا يحتاج إلى بيان ولا يطلب صاحبه ببرهان ، كما أن قصر الامل يبعث على العمل ، ويحيل على المبادرة ، ويحث على المسابقة . قوله تعالى : وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ( 4 ) أي أجل مؤقت كتب لهم في اللوح المحفوظ . قوله تعالى : ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ( 5 ) " من " صلة ، كقولك : ما جاءني من أحد . أي لا تتجاوز أجلها فتزيد عليه ، ولا تتقدم قبله . ونظيره قوله تعالى : " فإذ جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ( 2 ) " .

--> ( 1 ) في ى : يروى . ( 2 ) راجع ج 7 ص 201 .